مَثَل الزارع السخي:
الصلاة والفضائل الأساسية في ثلاثة أنواع من الأرض
في هذا الأحد الخامس عشر من الزمن العادي (السنة أ)، ندخل إلى الفصل الثالث عشر من إنجيل متى، خطبة يسوع العظيمة بالأمثال. يقدّم لنا إنجيل اليوم في صيغته الأطول (متى ١٣، ١-٢٣) مَثَل الزارع مع شرحه. «خرج الزارع ليزرع» (متى ١٣، ٣). مَن هو الزارع؟ ومَن هي الأراضي المختلفة؟ لنتأمل في هذه الأسئلة رابطين بين أنواع الأرض الثلاثة التي لم تُثمر، والفضائل الأساسية الثلاث، وتعليم القديسة تريزا ليسوع (تريزا الأفيلية) عن الصلاة، لكي نصير أكثر فطنة من الشرير الذي يسعى أن يخطف منّا زرع الرب الصالح (را. لوقا ١٦، ٨).
كالعادة، اخترنا خمس نقاط لتأملكم وصلاتكم، نشاركها أيضًا في برنامجنا الصوتي (البودكاست): https://www.youtube.com/watch?v=v5PApDAS6ww (مع ترجمة بلغتكم).
1. يسوع يخرج: الاستعداد للصلاة
النقطة الأولى في الأفعال التي يبدأ بها النص. يسوع «خرج من البيت وجلس عند البحر» (متى ١٣، ١). ثم «صعد إلى قارب وجلس، والجمع كله واقف على الشاطئ» (متى ١٣، ٢). «خروج» يسوع هذا يذكّرنا بإرسال الآب لابنه. يسوع هو مُرسَل الآب (را. يوحنا ٣، ١٧). لقد خرج من حضن الثالوث وأتى إلينا. والجلوس هو وضعية المعلّم. في المجامع القديمة كان يوجد ما يُسمى «كرسي موسى». يصعد يسوع إلى القارب، وهو رمز الكنيسة. يأتي للقائنا ويدخل أيضًا إلى بيتنا. كان بإمكانه أن يُعلّم من بيت بطرس، لكنه أراد أن يخرج ويجلس في القارب ليصل إلى أكبر عدد من الناس. على شاطئ بحر الجليل ينحدر الموضع طبيعيًّا كمدرَّج، فيرى الجميع على الشاطئ مَن يتكلم من القارب ويسمعونه.
هذه المواقف من يسوع تعلّمنا أهمية الانسحاب إلى مكان مناسب للصلاة، بعيدًا عن الضجيج وعوامل التشتيت. حتى داخل بيوتنا هناك دائمًا ما قد يُبعدنا عن الله. لذلك: اخرج. اجلس. ادخل إلى داخلك. ادخل إلى قلبك. هناك ستسمع الرب وكلمته.
2. لماذا كان يسوع يتكلم بالأمثال
الأمثال مقارنات قصيرة مأخوذة من الحياة اليومية للناس الذين كان يسوع يخاطبهم. يحتوي كل مثل على عنصر غير متوقّع يفاجئ السامع، ومن تلك المفاجأة يستخلص يسوع تعليمًا روحيًّا. تحتوي الأناجيل على نحو أربعة وأربعين مثلًا. لوقا يورد أكثرها، واحدًا وثلاثين؛ ومتى اثنين وعشرين؛ ومرقس ستة فقط. ويرد مثل الزارع في الأناجيل الإزائية الثلاثة.
هنا يُطرح سؤال قد يستوقفنا: لماذا يُلقي هذا الزارع بذاره على الطريق، وعلى الأرض الصخرية، وبين الأشواك؟ يبدو الأمر للوهلة الأولى تبذيرًا. لكن الله سخيّ. الرب يزرع في كل نوع من الأرض، لأن الإنجيل يجب أن يُبشَّر به للجميع، لا لقلّة فقط، ولا أن يُحتفظ به للذات. فلا تقل أبدًا: «هذا الشخص لا يستحق»، أو «هناك أشواك فقط»، أو «تلك أرض صخرية». يسوع يريدك أن تبشّر بالإنجيل في كل مكان.
تنطلق الأمثال من واقع ملموس، لكن تعليمها يتجاوز الكلمات نفسها. ولها بُعد أخروي، موجَّه نحو الأزمنة الأخيرة وخلاصنا. لذلك يقتبس الإنجيلي النبي أشعيا (را. أشعيا ٦، ٩-١٠؛ متى ١٣، ١٤-١٥). في النهاية يكشف الرب عن وفرة الحصاد المدهشة: الأرض الجيدة تُعطي «مئة وستين وثلاثين ضعفًا» (متى ١٣، ٨). اليوم قد يبلغ حصاد القمح الممتاز ستين ضعفًا، أما في زمن يسوع فكان المحصول المعتاد من ثلاثة إلى خمسة أضعاف. الرب يتجاوز دائمًا توقعاتنا.
3. الأرض على الطريق: التشتُّت وفضيلة العدل
الأرض الأولى هي البذار الذي سقط على الطريق، فجاءت الطيور وأكلته (را. متى ١٣، ٤). يشرح يسوع أن هذا يمثّل الشرير الذي يأتي ويخطف الكلمة المزروعة قبل أن تتجذّر في القلب (را. متى ١٣، ١٩). كيف إذًا نصير أكثر فطنة من الشرير؟ «أبناء هذا العالم أكثر فطنة من أبناء النور» (را. لوقا ١٦، ٨). فلنكن حقًّا أبناء النور، لئلّا نسمح له أن يخطف الكلمة المزروعة في قلوبنا.
هنا نتذكّر تعليم القديسة تريزا ليسوع، التي تقول إن التشتُّت في الصلاة يسرق منّا الكلمة. حين نصلّي مشتّتين، نسمع دون أن نصغي حقًّا؛ تدخل الكلمة من أذن وتخرج من الأخرى. تتكلم تريزا عن خمس قوى داخلية للنفس: الذاكرة، والعاطفة، والخيال، والعقل، والإرادة. لقد جرحت الخطيئة الأصلية الإنسان بأكمله، فتركت طبيعتنا مضطربة ومائلة إلى الشر. لذلك تحتاج كل هذه القوى إلى أن تُشفى وتُرتَّب من جديد بالنعمة في الصلاة (را. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ٤٠٥). في هذه الأرض الأولى يلعب الخيال دورًا خاصًّا. ولا بدّ من توضيح: لم تسمِّ تريزا الخيال قط «مجنونة البيت». بل كانت تعلّم أنه لا ينبغي أن نُعيره انتباهًا، كما لا نُصغي إلى كلام إنسان مختلّ. لندعه يتكلّم دون أن نوليه اهتمامًا. ومع ذلك، ظلّت تريزا تكافح التشتُّت حتى في المنازل السابعة. إنها معركة تدوم مدى الحياة، لكن هذا لا يعني أن نُولي التشتُّت اهتمامًا.
يقدّم الأب ساولو دانتاس هنا نصيحة عملية جدًّا: إن كنت ستصلّي، فلا تفعل ذلك مستلقيًا. وإلّا فقد يشرد ذهنك، أو الأسوأ، أن تغفو. اركع، أو اجلس، أو خذ كتابًا بين يديك. كانت القديسة تريزا تقول إنها لسنوات عديدة لم تستطع أن تصلّي دون كتاب يساعدها على جمع ذاتها. وكانت توصي بكتب روحية غنية، تُقرأ ببطء، فقرة أو فقرتين في كل مرة، بقدر ما يكفي لجمع القلب في حضرة الله. الفضيلة الأساسية المرتبطة بهذه الأرض هي العدل، الذي يقوم على إعطاء كل واحد ما له. وتعبير خاص عن هذه الفضيلة هو فضيلة التقوى (العبادة). يعترض البعض قائلين إننا لن نستطيع أبدًا أن نُعطي الله كل ما يستحقه حقًّا. ومع ذلك، نحن مدينون له بتسبيحنا، ووقتنا، وأفضل ساعة في يومنا، وشكرنا على هبة الحياة وعلى كل الخيرات التي نلناها. ومن روح العدل والتقوى هذا تنبع أيضًا مشاركة الخيرات المادية، مثلًا عبر العُشر. ولا ينبغي فهمه كحساب صارم، بل كردٍّ إلى الله، بامتنان ومحبة، لجزء ممّا نلناه منه، مع جعل المحبة والخير الملموس لحياة الكنيسة معيارًا دائمًا.
4. الأرض الصخرية: الذاكرة وفضيلة الشجاعة
الأرض الثانية هي الصخرية، حيث التربة قليلة العمق. ينبت البذار سريعًا، لكن لعدم وجود جذور تحرقه الشمس فييبس دون أن يُثمر (را. متى ١٣، ٥-٦). يشرح يسوع أن هذا يمثّل مَن يقبل الكلمة بفرح لكن ليس له جذور. وما إن تأتي الضيقات أو الاضطهادات من أجل الكلمة، حتى يسقط سريعًا (را. متى ١٣، ٢٠-٢١). لماذا يستسلم بهذه السهولة؟ لأنه لا يتذكّر. هنا نلتقي بقوة الذاكرة، التي جُرحت هي أيضًا بالخطيئة الأصلية. حين ننسى أعمال الله العظيمة، يختفي الشكر، وتزول معه المثابرة. لم يَعِدنا الرب قط بحياة بلا ألم. أنبأنا بأن الاضطهادات والتجارب ستأتي، لكنه وعد أيضًا أن يبقى معنا.
الفضيلة الأساسية التي تقوّينا هنا هي الشجاعة: الثبات في الاضطهادات والتجارب، والجرأة التي يمنحها الرب، والموهبة التي تسند الشهداء حتى النهاية. ومن أوضح ثمار الذاكرة المشفيّة الرجاء. حين نتذكّر أعمال الرب العظيمة، يستحيل ألّا نرجو ما سيصنعه بعد. هذا بالضبط ما تفعله المزامير بلا انقطاع: «الفرس وراكبه طرحهما في البحر» (را. خروج ١٥، ١). وداود أيضًا تذكّر كيف نجّاه الله من الأسد والدب، فوثق أنه سينجّيه أيضًا من يد الفلسطيني المُجدِّف. والعكس صحيح أيضًا: كلما نما الرجاء في القلب، شفى ذاكرتنا، حتى تصير أعمق جراحنا سببًا لتسبيح الله. أمام الصعوبات، كانت القديسة تريزا تجيب بما سمّته «العزم الحازم»: «مهما جاء، ومهما حدث، ومهما قال الناس، لا تترك حياة الصلاة أبدًا». اثبُت. لا تستسلم. حتى إن لم ترَ ثمارًا في صلاتك، لا تتوقّف عن الصلاة. نحن لا نصلّي من أجل الثمار؛ نصلّي من أجل يسوع. وستأتي الثمار، ربما ليست تلك التي ننتظرها، بل تلك التي يشاء الله أن يهبها لنا.
5. الأرض بين الأشواك: وهم الغنى وفضيلة العفّة
الأرض الثالثة هي التي سقط فيها البذار بين الأشواك. نبت البذار، لكن الأشواك نمت معه فخنقته. يشرح يسوع أن «هموم العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فتصير بلا ثمر» (متى ١٣، ٢٢). في الموعظة على الجبل يعلّم يسوع: «لا تهتمّوا... أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كله» (را. متى ٦، ٢٥-٣٤). هنا تلعب عاطفتنا دورًا خاصًّا، وهي أيضًا مجروحة بالخطيئة الأصلية. هذا الجرح يجعلنا سريعي التأثّر وقليلي الاستعداد لمواجهة صعوبات الحياة وأشواكها.
الفضيلة الأساسية المرتبطة بهذه الأرض هي العفّة (الاعتدال). العفّة هي ضبط النفس الذي يتحلّى به الشهداء. وتعني الثقة بعناية الله وبكلمة الرب، مع احتضان النسك طريقًا إلى القداسة. قد يوفّر الغنى أشياء كثيرة صالحة، لكنه قد يشجّع أيضًا على التراخي وعلى وهم أن كل شيء حقٌّ لنا. ويقدّم عالم اليوم أمثلة كثيرة عن أناس يقضون حياتهم كلها سعيًا وراء الغنى. لكن يسوع يقول بوضوح: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (متى ٦، ٢٤). لا شيء خطأ في أن يكون المرء ناجحًا أو محترفًا بارعًا في مجاله؛ بل قد يكون ذلك شهادة جميلة. الخطر يبدأ حين يُطلب الغنى لذاته، لأن ذلك قد يكشف عن اضطراب أعمق في القلب. كما يقول القديس بولس، يُخضِع الرياضيون أنفسهم لكل ضبط لينالوا إكليلًا يفنى، أما نحن فإكليلًا لا يفنى (را. ١ كورنثوس ٩، ٢٥). كلمة الله تسير تقريبًا في الاتجاه المعاكس للاكتناز. إنها تدعونا إلى بذل الذات، وخدمة الفقراء، والعطاء دون انتظار مقابل (را. لوقا ٦، ٣٥).
لم نتناول هنا فضيلة الفطنة (التعقّل)، مع أنها أمّ الفضائل الأساسية وتوجّه سائرها (را. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ١٨٠٦). ومع ذلك تبقى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكل واحدة منها.
كذلك لم نتوقّف عند الأرض الجيدة التي تُعطي «مئة وستين وثلاثين ضعفًا» (متى ١٣، ٨. ٢٣)، تحديدًا لأن أنواع الأرض الثلاثة التي لا تُثمر تستحق انتباهًا أكبر، لكي نصير أكثر فطنة.
نختم بكلمة للمطران أديليو توماتزين، أسقف كيشادا، قالها في عظة في كاتدرائية كيشادا سنة ١٩٩٩ عن هذا الإنجيل. في قلب منطقة السرتاو القاحلة في ولاية سيارا، التي تخضرّ كلها حين يهطل المطر، قال بلكنته الإيطالية التي احتفظ بها بعد ستين سنة في البرازيل: «قلبنا أرض جيدة». إن زرع الرب في قلبنا وسمحنا للروح القدس أن يرويه، فسوف يُثمر. المشكلة أننا كثيرًا ما لا نسمح بذلك. نحوّل قلبنا إلى أرض صخرية، وندع الطيور تخطف البذار والأشواك تخنقه. لكن إن تركنا الروح القدس يقودنا، فسوف يُثمر قلبنا، لأن قلبنا أرض جيدة.
خطوات القراءة الإلهية (Lectio Divina)
القراءة الإلهية (Lectio Divina) هي قراءة كلمة الله بروح الصلاة. خصّص وقتًا من الصمت، واستدعِ الروح القدس، ثم اسلك بهدوء هذه الخطوات مصلّيًا بهذا الإنجيل (متى ١٣، ١-٢٣).
1. القراءة (Lectio)
ماذا يقول النص؟
اقرأ الإنجيل بتمهّل، أكثر من مرة إن أمكن، وربما بصوت خافت. انتبه إلى الأفعال، وإلى أنواع الأرض المختلفة، وإلى الشرح الذي يقدّمه يسوع نفسه.
2. التأمل (Meditatio)
ماذا يقول لي هذا النص؟
أيّ نوع من هذه الأراضي يصف قلبي اليوم؟ أين يخنق الشريرُ، أو التشتُّت، أو نقص المثابرة، أو وهم الغنى، كلمةَ الله في حياتي؟
3. الصلاة (Oratio)
ماذا أريد أن أقول لله انطلاقًا من هذا النص؟
يا رب، نشكرك اليوم على بذار كلمتك التي تزرعها بلا انقطاع في قلوبنا. كثيرًا ما نتصرّف كالأرض الصخرية أو التربة السطحية، فندع الطيور تخطف البذار. لكننا نتوسّل إليك اليوم، يا يسوع: اروِ قلوبنا، وأفض علينا ماء روحك القدوس الحيّ، وجدِّد فينا نعمة معموديتنا، لكي نُثمر، مرويّين بروحك، ثمار حياة وقداسة. امنحنا، يا رب، نعمة أن نصير نحن أيضًا زارعين لكلمتك في كل مكان، والشجاعة لنبشّر بإنجيلك حتى لمن يبدو أنه لا يريد أن يقبل البذار. وإليكِ، يا مريم، نطلب: علّمينا أن نحفظ بذار الكلمة في قلوبنا لتُثمر فينا ثمرًا وفيرًا. آمين.
4. المعاينة (Contemplatio)
أيّ نظرة جديدة يهبني الله؟
امكث في صمت أمام الرب الذي يزرع بسخاء في كل نوع من الأرض ويؤكّد لنا أن قلبنا أرض جيدة.
5. العمل (Actio)
إلامَ يدعوني الرب اليوم؟
اختر خطوة ملموسة: وقتًا للصلاة خاليًا من التشتُّت، أو مثابرة في تجربة حاضرة، أو تخلّيًا يفسح مكانًا أوسع لكلمة الله لتُثمر.
إلى اللقاء الأسبوع المقبل!
سلام!
من الاثنين إلى السبت ننشر فيديو قصيرًا، وفي كل يوم أحد نقدّم برنامجنا الصوتي عن إنجيل الأحد لمساعدتكم على التأمل والصلاة. اشترِكوا في قناة @FelizesOsQueOuvem، وادعوا آخرين للانضمام إلينا، وساعدوا على أن يحبّ المزيد من الناس كلمة الله ويصلّوا بها. لا تنسوا الضغط على «أعجبني»، ومشاركة هذا المحتوى، وإرساله إلى أصدقائكم. ليبارككم الله. سلام!
البودكاست: https://www.youtube.com/watch?v=v5PApDAS6ww يمكنكم اختيار الترجمة باللغة التي تفضّلونها.